ابن بسام

101

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

رسالته في تقديم الورد على سائر الأزهار ، فخرج فيها أبو الوليد - خروج أبي حفص ابن برد - على الورد ، ودعا إلى البهار ، وأسمع سائر الأنوار ، فنصبه إماما ، ولولا اشتهار فضل الورد لكانت لزاما ، وقد اقتضبت من الرسالتين قبض « 1 » فصول ، تخفيفا للتثقيل ، وجمعا للشمل ، ومقابلة للشكل ، وقدّمت رسالة ابن برد ، على حكم الإحسان ومقتضى النقد ، وهي رقعة خاطب بها ابن جهور « 2 » ، قال فيها « 3 » : أما بعد ، يا سيّدي ومن أنا أفديه ، فإنه ذكر بعض أهل الأدب المتقدمين فيه ، وذوي الظرف المعتنين بملح معانيه ، أنّ صنوفا من الرياحين ، وأجناسا من أنوار البساتين ، جمعها في بعض الأزمنة خاطر خطر بنفوسها ، وهاجس هجس في ضمائرها ، لم يكن لها بدّ من التفاوض فيه والتحاور ، والتحاكم من أجله والتناصف ، وأجمعت على أن ما ثبت في ذلك من العهد ، ونفذ من الحلف ، ماض على من غاب شخصه ، ولم يئن منها وقته ، فقام منها قائمها فقال : يا معشر الشجر ، وعامّة الزّهر ، إن اللّه تعالى اللطيف الخبير « 4 » [ 25 ب ] الذي خلق المخلوقات ، وذرأ البريّات ، باين بين أشكالها وصفاتها ، وباعد بين منحها وأعطياتها ، فجعل عبدا وملكا ، وخلق قبيحا / وحسنا ، فضّل بعضا على بعض « 5 » حتى اعتدل بعدله الكلّ ، واتّسق على لطف قدرته الجميع ، فجعل لكلّ واحد منها « 6 » جمالا في صورته ، ورقّة في محاسنه ، واعتدالا في قدّه ، وعبقا في نسيمه ، ومائيّة في ديباجته ، وقد عطفت علينا الأعين ، وثنت إلينا الأنفس ، وزهت بمحضرنا المجالس ، حتى سفرنا بين الأحبّة ، ووصلنا أسباب القلوب ، وتحمّلنا لطائف الرسائل ، وصيغ فينا القريض ، وركّبت على محاسننا الأعاريض ، فطمح بنا العجب ، وازدهانا الكبر ، وحملنا تفضيل من فضلنا ، وإيثار من آثرنا ، على أن نسينا الفكر في أمرنا ، والتمهيد لعواقبنا ، والتطييب لأخبارنا ، وادعينا الفضل بأسره ، والكمال بأجمعه ، ولم نعلم أنّ فينا من له المزيّة علينا ، ومن هو أولى بالرئاسة منّا ، وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا

--> ( 1 ) ك : بعض . ( 2 ) هو أبو الوليد ابن جهور ، وفي العطاء الجزيل : ابن جمهور . ( 3 ) البديع : 52 ( وابن بسام يوجز في النقل ) وانظر أيضا العطاء الجزيل : 126 - 127 ، ونهاية الأرب 11 : 196 . ( 4 ) العطاء : إن اللطيف الخبير . ( 5 ) البديع والعطاء : فضل على بعض بعضا ؛ وفي ك : فإنّ ( بدل فجعل ) . ( 6 ) البديع والعطاء : منا .